القاضي عبد الجبار الهمذاني
259
تثبيت دلائل النبوة
يظن أن أبا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والأنصار بغير عهد من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، من لا يعرف المهاجرين والأنصار ، وشدة بصائرهم ، وإعظامهم لمقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ان يقوم فيه أحد مقامه سيما في خاصته بغير امره . وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه ، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ويراهم ، وأمره لأبي بكر / بالصلاة بحضرة أصحابه ، ويسمع ذلك جميع أزواجه وبناته وعماته ، فقد كنّ في مرضه هذا اجتمعن كلهنّ عنده في بيت عائشة . وكان امره له بذلك مرة بعد مرة ، فان الصحابة كانوا يدخلون في أوقات الصلاة فان وجد خفّا خرج معهم ، وإلا قال لهم : يصلي بكم أبو بكر . وكان في أول امره امر بذلك ، قالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبي رجل أسيف « 1 » لا يستطيع ان يسمع الناس ، فلو أمرت غيره ، فأبى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ولم يجبها إليه ، فاستعانت ببعض أزواجه عليه ليشفعها ويأمر غير أبي بكر بالصلاة ، فردّهن رسول الله وغضب وقال : يأبى الله والمؤمنون غير أبي بكر ، إليكنّ عني صويحبات يوسف . فهذا الذي كان من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن ، وهذا شأنهم . ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان يصلي أبوك بالناس في مرض رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وراجعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك حتى غضب ؟ قالت : ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ذلك ، وأن المسلمين يتشاءمون به . وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : إليكن عنى صويحبات يوسف ، ان أولئك النساء ظنن ان يوسف عليه السلام إذا دفع إلى شدة
--> ( 1 ) الرجل الأسيف : الشيخ الفاني والسريع الحزن والرقيق القلب ، انظر قاموس المحيط .